لا متّسع في ساعات العالم كلّه لذاكرة طفل هارب من الرّصاص

بشير أبو زيد
2025-03-10

رسم رائد شرف

رمضان 2023. ماما، أنا، شقيقتي وابنتها الصغيرة. نجلس أرضًا إلى إفطار بسيط. فجأة، ومن غير مقدّمات، تسأل لولو ببراءة مفرطة “ماما، حئًا شو ثار بفلثلطين؟ بعدها مووحتلة؟” نضحك. فلسطين، ذاك الخبر القديم. منذ فترة كان عيد ميلاد ليديا، اضطرّت إلى مغادرة لبنان بعد أسبوعين على الحرب المفتوحة. أي تهجّرت. غنّينا لها بفيديو كول. أغمضت عينيها. قطعت قالب الحلوى وتمنّت بصوت عال: أن تنتهي الحرب على لبنان وتتحرّر فلسطين. 

سبعة عقود، سبعة أجيال، وحرب سابعة. يكبر الأطفال إكراهًا، تتغيّر معالم وجوههم، والطريقة التي يرون فيها الحياة أيضًا. سيتعلّمون مصطلحات الحروب قبل السائد في اللّغة. سيميّزون الأصوات كي يحاولوا من موقعهم الصّغير التعايش مع رعبهم في معركة هذا العالم عليهم. القصف المدفعيّ عميق وبعيد. جدار الصوت يخلع القلب، ولكنّه يبقى جدارًا. الغارة التي تسمعها، لا تقتلك. الحمدالله. فرص البقاء على قيد الحياة أعلى في المناطق المفتوحة وتحت الدرج. خطط ما عادت تنفع. ألف باء النجاة في هذه البلاد تعيد إنتاج نفسها كلّ عقد أو أكثر.

يعرف الأطفال أكثر من كبار كثر أنّ إسرائيل تشنّ الحرب عليهم. لا تخدعهم خرائط لا يعرفون معالمها ولا يستهلكون سرديّة يصيغها الوحش وهو يعبث بعدّاد أعمارهم وبحياتهم. هجّرهم قسريًا. منهم شُرّد عن سريره مرّتين. عيونهم رأت كلّ شيء. ذاقوا طعم الدم بأفواههم، وصدّع رؤوسهم صخب الجدار. تفرّجوا بالبثّ الحيّ على جنود يعبثون بملابس أمهاتهم. خرّبوا البيت، وسحقت الجزمة رأس الدّمية. 

الأطفال في النزوح قلوبهم معلّقة بالبيت

“ماما، إنت ذاكرة طريق البيت كيف؟”

تسأل فايا. ثم تشرد. قبل أن تمطر والدتها بأسئلة أخرى. أصبحت بعد أيلول المشؤوم كالزنبرك، لا تهدأ، مفرطة الحركة والسؤال. تستغلّ أفكارها الوجوديّة لتؤجّل موعد نومها ليلًا. كرهت اللّيل هناك، في المكان الذي لجؤوا إليه. لا تكفّ تسأل والدتها عن طريق العودة إلى منزلهم. تخبرها أنّها تخاف أن تنسى. “أنا ما بدّي انسى، إنت ذاكرة؟” تريد لقلبها أن يستريح. ظهيرة النزوح، في زمن ضاع بين الغارة التي استهدفت منزلًا في وسط الضّيعة، وبين اللحظة التي انطلقت فيها السيّارة من غير وجهة، أخذوا في البيت بعضهم بعضًا. ساعة واحدة فقط، حملوا معهم خلالها ما استطاعوا إليه سبيلًا، شنطة فيها بعض الأوراق الثبوتيّة، شراشف ووسائد، وطنجرة “شيش برك” سيرمونها لاحقًا بعد ترحال يطول عشرين ساعة. 

سؤال يجرّ سؤالًا. تنتقل إلى الدّرج. تسأل عن حقيبتها. مطرتها. وصندوق غذاء جديد لم يتسنّ لها أن تتفاخر فيه أمام صديقاتها في اليوم الأوّل من المدرسة. اسمها محفور عليه ورسمة شخصيّتها الكرتونيّة المفضّلة. تطمئنها والدتها. جميعها في الغرفة. فتسأل مجدّدًا:

  • وين بأوضتي؟ بعدك ذاكرة شكلا؟ وبعدا متل ما هي؟

  • إي ماما بعدا متل ما هي

  • ما تغيّرت؟ 

  • لأ ماما ما تغيّرت.

تشرد.

لعلّها بالفعل نسيت. إذ أنّ الطّريق إلى منزلها غدا اليوم بعيدًا جدًا. لم تكن ساعة فحسب. كانت ساعة بثقل دهر، ولا متّسع في ساعات العالم كلّه لذاكرة طفل هارب من الرّصاص. 

رواد، عمره ثلاث سنوات. استيقظ في منتصف اللّيل باكيًا. يريد الكعكة الّتي تركها على طاولة المطبخ في زبدين. عندما ذهب أبوه لاحقًا لتفقّد البيت واستخراج بعض الأغراض المهمّة، عاد ومعه صندوق الكعك ذاته. فرح رواد كثيرًا. عانق والده. عانق الصندوق. لم يأكل منه ولا حتّى كعكة واحدة.

الجميع يتّفق أنّ زينة طفلة شقيّة. كانت قبل الحرب كذلك. لكن اليوم، حركتها زادت، إصرارها وعنادها كذلك، وفوق كلّ شيء، رغبتها في الاستيلاء على أيّ شيء يذكّرها بالبيت. تتعلّق بأبسط الأشياء، وكأنّها تريد استحضار ذاك المنزل بأشيائه الصّغيرة وتعيد بناءه. اشترت قبل أيّام لعبة “هوجي ووجي” زهريّة، كتلك التي تركتها هناك. لا تسمح لأحد المساس بها. خبّأتها.

يحيى، ابن الستّ سنوات، لا يحمل اسم جدّه فحسب، بل عمر رحيله كذلك. الطفل الذي خرج برفقة كامل عائلته من كفررمان، لا ينسى أنّ جدّه ما زال هناك. يسأل عنه. ألم يخرج هو أيضًا؟ إسرائيل تقصف بالقرب من المقابر، ألا يمكن نقله إلى مقبرة أأمن؟ يقول لأمّه “ماما، ياريت تذكّرنا نجيب قبر جدّو معنا”.

صدمات متراكمة 

منذ 8 أكتوبر 2023 وحتى إعلان وقف الأعمال العدوانية، قتلت إسرائيل في لبنان 316 طفلًا، جرحت 1456 (يضاف إليهم جرحى مسيرات العودة في 26 كانون الثاني)، وهجّرت في صباح واحد مئات الآلاف.

والأطفال لا يتعرّضون إلى صدمات بسبب عنف الحرب المباشر من إرهاب وقتل فحسب، بل إلى صدمات تراكمها الخسارات العاطفيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بما في ذلك، الحداد المتواصل على منازل سلخوا منها بالقوّة. يقول د. كريم دكروب، معالج نفسي ومخرج مسرحي، إنّ “الصدمة هي استجابة طبيعيّة لحدث غير طبيعي، ولا يمكن أن تأخذ طابعًا مرضيًا إلّا إذا تكررت عوارضها واستمرّت أكثر من شهر أو شهر ونصف الشهر من بعد مرور الحدث الصدميّ”.

فالأطفال، إن نجوا من خطر الموت، ستقارع وحشة النزوح أمنهم لما يتعرّضون إليه من ضغوطات نتيجة عوامل عدّة كالتفكّك الاجتماعيّ، التثاقف، والشعور بالعزل. يغتربون بالفعل، وإن بين أهلهم وفي بلادهم. فتسبّب هذه الضغوطات عوارض نفسيّة منها الاكتئاب، الأرق، وفشل في القدرة على التأقلم. يعتبر دكروب أنّ “مشكلة الانفصال هذه تكمن في مرحلة اللاتوازن: ما الذي يحصل؟ أين أنا؟ سيحتاج الطفل لإيجاد توازنه بعد أن فقد علاقته بالبيت أو المدرسة من حيث المكان، وروتينه اليومي من حيث الزمان، بدءًا من توقيت النوم والأكل حتى نشاطه اليومي الذي ينكسر بشكل جذريّ”. خصوصًا أنّ الظّروف المعيشيّة غالبًا ما تكون صعبة، فتضيع مسألة البيت الآمن، سواء في حال السكن في شقق مكتظّة، أو في حالات النّزوح إلى مراكز إيواء، حيث تزداد مخاطر تعرّضهم إلى العنف، التهديدات، انعدام الاستقرار، وعدم إمكانيّة الالتحاق بالمدارس في الكثير من الأحيان بسبب الفقر.

متى تصبح الاستجابة للحدث الصدمي استجابة مرضية؟

يحصر دكروب عوارض الصدمة بثلاثة:

  • تكرار المشهد، أي إعادة اجتياح الحدث وإحياء مشاعره وأحاسيسه في الواقع الحالي، سواء عبر كوابيس أو في اليقظة، وتكرار الحديث عن لحظة الصدمة، فيصبح الشخص غير قادر على الفصل بين الواقع الحقيقي، والواقع الصدميّ.

  • التجنّب الشامل لذكر أي حديث مرتبط بالحدث الصدميّ، وأحيانًا تجنّب ورفض التعرّض لأي شيء يذكّر به. قد يكون هذا التجنّب مرتبط بفقد شخص ما، فيتجنّب الطفل التحدّث عمّن فقد، أو حتى الاعتراف به أو سماع أي حديث عنه، وقد يشمل ذلك المكان الذي حدثت فيه الصدمة أيضًا، إذ يتجنّب الحديث أو يرفض الذهاب إلى ذلك المكان.

  • الحساسية المفرطة أو الاهتياج، فيظهر لدى الطفل سلوكيات عدوانية، لا لأنّه يريد ذلك، بل لأنّ جسده يعطيه إنذارات خاطئة يحتاج للاستجابة إليها فيصيبه التوتر ويصبح متهيّئًا للدفاع في وجه أي خطر، بما في ذلك، في وجه أشخاص آخرين.

لكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّه لا يمكن اعتبار هذه العوارض مرضيّة في مرحلتها الأولى، ولا يجوز التشخيص على أساس هذه المؤشّرات فقط، أو اللجوء إلى العلاج النفسي المتخصّص، إنّما إلى الدعم النفسي الاجتماعي.

الدعم النفسي الاجتماعي

هو نوع من الدعم المجتمعي غير المتخصّص إذ لا يحتاج مقدّموه لأن يكونوا متخصّصين بالعلاج النفسي، ويهدف إلى مساعدة الأفراد على التعافي من الأزمات التي قد تؤدّي إلى اضطرابات في حياتهم، وتعزيز قدرتهم على استعادة التوازن والعودة إلى حياتهم الطبيعيّة بعد مواجهة أحداث صعبة أو مأساويّة. ويشرح دكروب أنّه “دعم مجموعات، وقد يحدث عن طريق الفنون المتنوعة، الأنشطة الترفيهية والإبداعية، السرد القصصيّ، الرياضة البدنية والألعاب”. ويضيف: “إذا حصل الدعم النفسي الاجتماعي بالطريقة المناسبة والجيّدة، قد يجنّب الوصول إلى مرحلة الاضطراب ما بعد الصدمة في الكثير من الأحيان”.

لا يفقد المهجّرون قسرًا علاقتهم بالمكان أو بالأشخاص وبيئتهم فحسب، بل يفقدون أدوارهم الاجتماعية كذلك. “فالحلّاق لم يعد حلّاقًا، والمعلّمة لم تعد معلّمة، والمختار لم يعد مختارًا. وللأطفال أيضًا أدوارهم الاجتماعية، منها اللعب، وإن بطرق وفي أماكن مختلفة، ولكلّ دور خصوصيّة، سواء أكان اللعب في حقل خلف المنزل، نشاط اجتماعي كشفيّ أو مجرّد إلقاء التحيّة على مارّ من هنا وهناك، أو حتى الاهتام بعجوز تسكن وحدها في المنزل المقابل”، بحسب دكروب. 

يعتقد دكروب أنّ واحدًا من أهم أهداف الدعم النفسي الاجتماعي هو تعزيز الدور الاجتماعي للأفراد ومساعدتهم على إعادة بنائه. “عند زيارة مركز للجوء مثلًا، يمكن فورًا ملاحظة كيف يحاول الأطفال تولّي مهام اجتماعية في الاستقبال، والإرشاد وعرض المساعدة. فالعمل، من هذا المنطلق، على توزيع أدوار ومهمّات، كل بحسب عمره، وحسب إمكانيّاته الجسدية والفكرية، يمكن أن يكون بحدّ ذاته مفيدًا للأطفال، ويساعدهم على تجاوز وضعهم الصعب”، يقول.  

الصمود بديهة بشريّة

تحت وطأة الحرب، يبتكر الأطفال طرقًا خلّاقة ليعيدوا بناء أمنهم، وليواجهوا قسوة الفقدان. يستنجدون بخيالهم، علّهم يستطيعون إعادة ترتيب العالم حولهم، والعبور منه، وإن بالفكرة، إلى عالم لا يهدّد سكينتهم. هم الفنانون الأوائل، وهم الصّامدون أيضًا، لا لأنّهم يملكون ترفًا في ذلك، بل لأنّ الصّمود بديهة بشريّة، فعلٌ يحاول من خلاله الإنسان أن يتأقلم مع واقعه الجديد بالرّغم من الشدائد، مهما كان عمره. فلا بدّ إذًا، في الحروب تحديدًا، ألّا يُنظر إلى الأطفال كضحايا فحسب، إذ أنّهم سيغدقون جهدًا كبيرًا في محاولاتهم للتّأقلم وبناء مواردهم لتولّي سبل حياتهم اليوميّة. سيتمسّكون أقلّه بقريب واحد يبدّد غربتهم. هكذا تقول الدراسات، فالعامل الوحيد الأكثر أهميّة للصّمود لدى الأطفال النّازحين بسبب الحروب والنّزاعات هو وجود علاقة آمنة وداعمة ومستقرّة مع أحد الوالدين على الأقلّ، ليعزّز ثقتهم ويعترف بحقّهم في صنع قرارات ذات صلة بحياتهم. بذلك، سيساعدهم قدر الإمكان على التعامل مع الواقع المفروض عليهم، وفي بناء مهارات واكتساب كفاءات فكريّة جديدة، ولا سيّما، قيمة دورهم في المبادرة لبناء حياة أفضل.

صغار مثقلون – متى ينتهي هذا التيه؟

 هذه حرب شعواء. جميع الحروب كذلك. تعسّفًا، يتشكّل فيها جزء من وعي كلّ طفلّ. تحت زخّات الرصّاص، ستظهر إرادة الحياة، وكأنّ الحياة فحسب لا تصحّ لهم، فلا بدّ أن يحملوا معها ومن عمر مبكر قسوة الإرادة. ستولد صدقات جديدة، وخيارات مبكرة للمستقبل أسوة بالموت. لا غزل بذلك. هنا سيتعرّفون على العالم الذي ظنّنا في الترحال السابق أنّنا نستطيع تغييره.

الكبار يجيدون الرثاء، الصغار يجيدون السحر. الزنبق يزهر عندهم في أرض قاحلة. بإصبع، يزيحون الشمس إن ضلّت طريقها. يمسكون الوقت من عنقه. يلوّنون الطيّور بجرحهم النازف. لكنّهم في النهاية، مثلنا، وإن نجوا، مثقلون. أنهكتهم التغريبة، كما أنهكت أهلهم قبلهم. إذا كنّا نحن، نحمل جبل عامل معنا على أكتافنا أينما ذهبنا، فالأطفال، يحمل كلّ منهم همًا بثقل صخرة. رواد حمل كعكة. يحيى حمل قبرًا. وفايا حملت منزلًا، ستتوه، كم مرّة في الطريق إليه؟

Next
Next

Puppetry for building bridges: Psychosocial intervention in emergency settings in the Middle East